حسن حسني عبد الوهاب

57

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

أشار أصحاب الأخبار إلى ما قام به بعض ولاة الدولة الأموية من إيجاد وسائل التعليم الابتدائي للنابتة الإفريقية ، فقد صحّت الرواية أن " إسماعيل بن أبي المهاجر المخزومي كان يؤدب أولاد الخليفة عبد الملك بن مروان بدمشق ، ثم استخلفه عمر بن عبد العزيز على إفريقية - سنة مائة للهجرة - وهو من وجوه التابعين ، وكانت أم الدرداء أشارت بإسماعيل على عبد الملك أن يكون معلّما لأولاده كما قال ابن عساكر " 1 " فإذا كان ولاة القيروان من العرب يتعاطون مهنة التعليم في المشرق قبل وفودهم على المغرب ، فما ظنّك بهم في نشر التعليم في المغرب وحثّ ناشئته على حفظ القرآن وإتقان اللغة العربية ؛ وفي مناقب هذا الوالي الصالح أنه في طليعة من أسسوا كتّابا بجوار مسكنه بالقيروان ، وبه اقتدى بقية وجوه العرب الفاتحين لا محالة ، وقد أثبت التاريخ أن عامة الأمم البربرية أسلمت على يد إسماعيل بن أبي المهاجر ، قال ابن العذاري : " 2 " " وما زال إسماعيل حريصا على دعاء البربر إلى الإسلام حتى أسلمت بقية بربر إفريقية [ التونسية ] على يديه في دولة عمر بن عبد العزيز ، وهو الذي علّم أهل إفريقية الحلال والحرام ، وبعث معه عمر بن عبد العزيز عشرة من فقهاء التابعين أهل علم وفضل منهم عبد الرحمن بن رافع وسعد بن مسعود التجيبي وغيرهما " . واعلم أن الكتاتيب اعتبرت من أول انتصاب العرب بإفريقية كملحقات للمساجد وتوابع لها فما من حارة أو درب من دروب المدائن التونسية إلّا وكان بها - من أقدم العصور عدد من الكتاتيب - بل إنها وجدت - أيضا - بوفرة في دور الأعيان والأغنياء وبالأحرى في قصور الأمراء والوزراء . معاهد التعليم الكبرى معهدان جليلان من معالم إفريقية اشتهرا من أول تأسيسهما بالتعليم الإسلاميّ العالي ، وما زالا دائبين باتصال في أداء رسالتهما العلمية ومهمتهما الثقافية ، ونعني بهما :

--> ( 1 ) تاريخ دمشق لابن عساكر 2 : 308 و 3 : 25 . ( 2 ) البيان المغرب ط ليدن ج 1 : 34 [ 1 : 48 ] وطبقات أبي العرب [ ص 20 ] وغيرهما .